احمد احمد بدوي
16
من بلاغة القرآن
ألما ، فالأدب تعبير عن هذا الإحساس ، وتصوير له ، فهو لسان الوجدان وترجمانه ، إذا كان العلم لسان التفكير والمبيّن عنه . تسمع قول قريط بن أنيف يعاتب قومه الذين لم ينجدوه ، ويمدح بنى مازن ، لأنهم أخذوا بيده ونصروه : لو كنت من مازن لم تستبح إبلي * بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصرى معشر خشن * عند الحفيظة ، إن ذو لوثة لأنا قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه ، زرافات ، ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات ، على ما قال برهانا لكن قومي ، وإن كانوا ذوى عدد * ليسوا من الشر في شئ وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا كأن ربك لم يخلق لخشيته * سواهم من جميع الناس إنسانا فليت لي بهم قوما إذا ركبوا * شنوا الإغارة فرسانا وركبانا فالشاعر هنا يصور لنا نقمته على قومه ، وازدراءه كثرة عددهم ، لخورهم ، وجبنهم ، حتى ليقابلون ظلم ظالمهم بالصفح والغفران ، وإساءة المسيئين إليهم بالعفو والإحسان ، يلتمسون لضعفهم المعاذير ، من الخضوع لتعاليم الدين ، فكأن اللّه لم يخلق غيرهم لخشيته . أما بنو مازن ، فهو معجب ببسالتهم وإقدامهم ، يمنعون حماهم أن يستباح ، ويجد أعداؤهم فيهم خشونة لا تلين ، يسرعون إلى نصرة أخيهم ، قبل أن يطلبوا منه برهانا على ما قال ، فلا عجب أن تمنى استبدال قومه بغيرهم . تحدث الشاعر في تلك القطعة عن إعجابه وسخطه ، أي عن إحساسه بالجمال والقبح ، ونجح في تصويرهما ونقلهما إلينا ، مستعينا على ذلك بألوان من الخيال ، تكاد تلمس بها خشونة جانب من نصروه ، وترى بها الشر مكشرا لهم عن أنيابه ، وتبصرهم طائرين لا يلوون على شئ ، وموردا هذه المناقضات التي ما كان يليق أن تكون ، ومتهكما بهم تهكما مرّا لاذعا ، ويشعر القارئ لهذا الشعر بلذة ، أثارها فينا نجاحه في التصوير ، وبراعته في التعبير . بينما نحن لا نعد من الأدب هذه المقالات العلمية ، التي تخاطب التفكير وحده ، من غير أن تشرك الوجدان معه . على أن الأديب قد يستعين بقضايا الفكر ، على تصوير هذا الإحساس ، كما فعل المتنبي عندما أراد أن يصور حيرته اليائسة من الوصول إلى أن يدرك كنه الحياة ، ومصير الوجود ، فقال :